محمد حسين الذهبي

108

التفسير والمفسرون

من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شئ ( يعنى عكرمة ) وحكى إبراهيم بن ميسرة أن طاوسا قال : لو أن مولى ابن عباس اتقى اللّه وكف من حديثه لشدت إليه المطايا ، وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكاء قال : سمعت ابن عمر يقول لنافع : اتق اللّه ، ويحك يا نافع ، ولا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس . وروى أن سعيد بن المسيب قال مثل ذلك لمولاه ، وروى ابن سعد : أن علي بن عبد اللّه كان يوثقه على باب الكنيف ويقول : إن هذا يكذب على أبى . ثم بعد ذلك كله يصورون للناس مبلغ كراهة معاصريه له فيقولون : إنه مات هو وكثير عزة في يوم واحد ، فلم يشهد جنازته أحد ، أما كثير فقد شيعه خلق كثير . . . تفنيد هذه المطاعن ودفاع عكرمة عن نفسه : هذا الذي تقدم هو بعض الروايات التي رواها من لا يثق بعدالة عكرمة ، وكلماتهم باطلة لا تقوم على أساس ، فعكرمة مولى ابن عباس ، كان يلازمه ويخالطه ، فلا يضيره كثرة الرواية عنه ؛ لأن هذا أمر طبيعي ، ولا يمكن أن يعد افتراء على العلم وافتياتا على الرواية ، لأن كثرة الرواية ليست من المطاعن التي توجه إلى الراوي وتذهب بعدالته ، فهذا أبو هريرة قال الناس عنه في عصره : أكثر أبو هريرة ، فبين لهم سبب إكثاره من الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أنه كان يلازم النبي على ملء بطنه ، ولا شئ يشغله كما شغل غيره من الصحابة بالصفق في الأسواق ، فهل ذهبت عدالة أبي هريرة وفقدنا الثقة به لكثرة روايته ؟ اللهم لا . ثم إن هذا الاتّهام لم يخف على عكرمة ، بل كان يبلغه عن متهميه فيود لو أنه ووجه به ليفنده ، فقد روى حماد بن زيد عن أيوب أنه قال : قال عكرمة : رأيت هؤلاء الذين يكذبونني ، يكذبونني من خلفي ، أفلا يكذبونني في وجهي ؟ فإذا كذبونى في وجهي فقد واللّه كذبونى . . . ثم نراه يستشهد